الشيخ محمد رشيد رضا
382
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 17 : 90 وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى قوله - أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) وقد أمره اللّه تعالى ان يجيب عن ذلك بقوله عقب هذا ( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ! هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ؟ ) أي وليس ذلك في قدرة البشر وان كان رسولا ، لان الرسالة لا تخرج الرسول عن طور البشر في صفاتهم البشرية كالقدرة والاستطاعة ، فهم لا يستطيعون إيجاد شيء مما يعجز عنه البشر ولا يقدر عليه غير الخالق تعالى . والمراد من هذه الآية أنك لا تستطيع أيها الرسول الاتيان بشيء من تلك الآيات ، ولا ابتغاء السبل إليها في الأرض ولا في السماء ، ولا اقتضت مشيئة ربك ان يؤتيك ذلك لعلمه بأنه لا يكون سببا لما تحب من هدايتهم ، ولان من سنته ان يترتب على الجحود بعده إنزال العذاب عليهم ، - وتقدم بيان هذا في تفسير الآيتين السابعة والثامنة من هذه السورة - وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي ولو شاء اللّه تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه بجعل الايمان ضروريا لهم كالملائكة ، أو بخلقهم على استعداد واحد للخير والحق فقط ، لا متفاوتي الاستعداد مختلفي الاختيار ، باختلاف العلوم والافكار والاخلاق والعادات ، كما اقتضته حكمته في خلق الناس ، ولكنه شاء أن يخلق البشر على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت في الاستعداد ، وما يترتب عليه من اختلاف أسباب الاختيار ؛ - فإذا عرفت سنته هذه في خلق هذا النوع ، وانه لا تبديل لخلق اللّه ، فلا تكونن من القوم الجاهلين بسنن اللّه تعالى في خلقه ، الذين يتمنون ما يرونه حسنا ونافعا ، وإن كان حصوله ممتنعا ، لكونه مخالفا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية . فالجهل هنا ضد العلم لا ضد الحلم ، وليس كل جهل بهذا المعنى عيبا ، لان المخلوق لا يحيط بكل شيء علما ، وانما يذم الانسان بجهل ما يجب عليه ، ثم يجهل ما ينبغي له ويعد كمالا في حقه ، إذا لم يكن معذورا في جهله . قال تعالى في الفقراء المتعففين ( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) فوصف الجاهل هنا غير ذم ، وكان عدم علم خاتم الرسل بالكتابة من أركان آياته ، وعدم علمه بالشعر من أدلة الوحي وبيناته ، وكل ما يتوقف علمه على الوحي الإلهي لا يكون جهل